ابن عجيبة

567

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أي : وإن كلهم مجموعون محضرون للحساب ، أو معذّبون . وإنما أخبر عن « كل » بجميع ؛ لأن « كل » تفيد معنى الإحاطة . والجميع : فعيل ، بمعنى مفعول ، ومعناه : الاجتماع ، والمعنى : أن المحشر يجمعهم ، فكلهم مجموعون محضرون للحساب . الإشارة : يا حسرة على العباد ، ما يأتيهم من داع يدعو إلى اللّه ، على طريق التربية الكاملة ، إلا كانوا به يستهزؤون . ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون ، ماتوا على الغفلة والحجاب ، وكلهم محضرون للعتاب والحساب ، ماتوا محجوبين ، ويبعثون محجوبين ؛ لإنكارهم في الدنيا من يرفع عنهم الحجاب ، ويفتح لهم الباب ، وهم شيوخ التربية ، الموجودون في كل زمان . أو : يا حسرة على المتوجهين ، ما يأتيهم من وارد على قلوبهم إلا كانوا به يستهزؤون ، ولو فهموا عن اللّه لعملوا بما يرد على قلوبهم الصافية . ثم ذكر دلائل قدرته على البعث والإحضار ، فقال : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 33 إلى 36 ] وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ( 33 ) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ ( 34 ) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَ فَلا يَشْكُرُونَ ( 35 ) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ( 36 ) قلت : « وآية لهم » : مبتدأ ، وجملة « الأرض الميتة » : خبر . يقول الحق جل جلاله : وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها أي : وعلامة لهم تدلّ على أن اللّه يبعث الموتى ، ويحضرهم للحساب ، إحياء الأرض اليابسة بالمطر ، فاهتزت وربت بالنبات . وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا ؛ جنس الحب ، فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ، هم وأنعامهم . وقدّم الظرف ليدل على أن الحبّ هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش ، ويقوم ، بالارتفاق به ، صلاح الإنسان ، إذا قلّ جاء القحط ، ووقع الضرّ ، وإذا فقد حضر الهلاك ، ونزل البلاء . وَجَعَلْنا فِيها ؛ في الأرض جَنَّاتٍ ؛ بساتين مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ، وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ ، « من » : زائدة عند الأخفش ، وعند غيره : المفعول : محذوف ، أي : ما تتمتعون به من العيون .